Wednesday, 18 January 2012

ذاكرة مرهق

عفويا يبدأ البشر بمراكمة الذكريات , كما تبدأ خبراتهم في الحياة في سرقتهم من تلقائيتهم. ينموا الحذر والخوف , ويبدأ الحنين الى ملاذات آمنة. خطوات الطفل الاولى , قدرته على رؤية فرادة الأشياء ليقف مصعوقا أمام فراشة عابرة أو قطة أهملها الآخرون, خوفه لرؤية القمر للمرة الأولى, ثقته في العالم حوله وقدرته على المنام على عتبات بيت , كلها تذوي ويبقى فقط حنين غامض لطفولة لن تعود .

تنموا مهارات الإنسان وتصقل , ينموا الإحساسة بإستقلاليته وفرادته وتنموا بالمقابل مخاوفه وإحتياجاته. يعمل جاهدا لتميز نفسه ويستمد قيمته من قدرته على الإنتاج والتفاني . يبدأ بإستبدال أحلام وأمال فخمة بإنتصارات صغيرة , يستغني عن إنتصاراته لمصلحة حياة هادئة, يخوض معارك يومية ليحتفظ بوجوده, يتنازل عن وجوده الشخصي لمصلحة أسماء أوسع كالعائلة والوطن والحقيقة. يبحث عن مبررات إضافية لما يصنعه, ويطمئن نفسه كل يوم قائلا "ما ازال أنا ". في الخصام وفي الصداقة, في النجاح وفي الفشل, في السعادة وفي الألم يلتقي بنخاوفه التي لا تعرف الإطمئنان . الأخرون الذين يتجرعون مخاوفهم في صمت - مثله تماما - لعيونهم مفعول السحر, تكفي التماعاتها و إبتساماتها لتأجيل مخاوفه برهة لا تدوم. نفس العيون التي تحتفي بإنتصاراته تستطيع الإزدراء وفي الحالتين يظل الإنسان وفيا لرغبته في الكمال .

عفويا يبدأ البشر بتحريف ذكرياتهم وبكتابة تأريخهم الذاتي: يفسرون ما عجزوا عن تفسيره سابقا, يكملون التفاصيل, يلقون أحزانهم وأخطائهم في سلة المهملات ويلتقوا بأحلامهم الذابله كما يلتقي الغرباء .